الفيض الكاشاني
380
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء
* ( بيان اختلاف الأوراد باختلاف الأحوال ) * اعلم أنّ المريد لحرث الآخرة السالك لطريقها لا يخلو عن ستّة أحوال فإنّه إمّا عابد أو عالم أو متعلَّم ، وإمّا وال أو محترف أو موحّد مستغرق بالواحد الصمد عن غيره . الأول العابد وهو المتجرّد للعبادة الَّذي لا شغل له أصلا ولو ترك العبادة لجلس بطَّالا ، فترتيب أوراده ما ذكرناه ، نعم لا يبعد أن يختلف وظائفه بأن يستغرق أكثر الأوقات إمّا في الصلاة أو في القراءة أو التسبيحات فقد كان في الصحابة من ورده في اليوم اثنا عشر ألف تسبيحة وكان فيهم من ورده ثلاثون ألفا وكان فيهم من ورده ثلاثمائة ركعة إلى ستّمائة إلى ألف وأقلّ ما نقل في أورادهم من الصلاة مائة ركعة في اليوم واللَّيلة ، وكان بعضهم أكثر ورده القرآن ، وكان يختم الواحد منهم في اليوم مرّة وروي مرّتين عن بعضهم ، وكان بعضهم يقضي اليوم أو اللَّيلة في التفكَّر في آية واحدة يردّدها ، وكان كرز بن وبرة مقيما بمكَّة فكان يطوف في كلّ يوم سبعين أسبوعا وفي كلّ ليلة سبعين أسبوعا وكان مع ذلك يختم القرآن في اليوم واللَّيلة مرّتين فحسب ذلك فكان عشرة فراسخ ويكون مع كلّ أسبوع ركعتان فهو مائتان وثمانون ركعة وختمتان وعشرة فراسخ » . أقول : قد عرفت فيما سبق أن كثرة تلاوة القرآن وعجلته على هذا النحو مذموم . وفي الفقيه عن الحذّاء ، عن أبي جعفر عليه السّلام في قول اللَّه عزّ وجلّ : « تتجافى جنوبهم عن المضاجع » قال : لعلك ترى أنّ القوم لم يكونوا ينامون ؟ فقلت : اللَّه ورسوله أعلم ، فقال : لا بدّ لهذا البدن أن تريحه حتّى يخرج نفسه فإذا خرج النفس استراح البدن ورجعت الروح فيه وفيه قوّة على العمل فإنّما ذكركم اللَّه تعالى فقال : « تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربّهم خوفا وطمعا » أنزلت في أمير المؤمنين عليه السّلام وأتباعه من شيعتنا ينامون في أوّل اللَّيل فإذا ذهب ثلثا اللَّيل أو ما شاء اللَّه فزعوا إلى ربّهم راغبين راهبين طامعين فيما عنده فذكرهم اللَّه عزّ وجلّ في كتابة لنبيّه وأخبره بما أعطاهم وأنّه أسكنهم في جواره وأدخلهم جنّته وآمن خوفهم وآمن روعتهم ، قلت : جعلت فداك إن أنا قمت آخر اللَّيل أيّ شيء أقول إذا قمت ؟ فقال : قل : « الحمد للَّه ربّ العالمين وإله المرسلين